فريد روس : ترجمة / مي السوز
القى فريد روس (رئيس مجلس ادارة مركز تجديد الفن ) كلمة في مؤتمر المجتمع الامريكي لدعم فناني البورتريه الذي عقد قبل بضع سنوات في متحف الميتروبوليتان في ولايه نيويورك في امريكا( اقدم مؤسسه للفنون) مع جمع غفير من المثقفين زاد عددهم على (700) شخص تضمن فناني (البورتريه) واصحاب المتاحف الفنية وصحافيين بارزين. توقف السيد روس عن الكلام مالا يقل عن عشر مرات اذ قاطع الحاضرون حديثه بالتصفيق الحاد والضحك المدوي لانه انتقد الحداثه في الفن ورموزها البارزين مثل (بيكاسو) و(ماتيس) و(ديكوننك.) كان روس في حديثه،والحق يقال ,صادقا في هجاءه الذي كان اشد قسوه من اي حديث سابق حيث لم يسمع مثله داخل حرمة تلك القاعات سابقا.
يقول روس: تعد اعمال الفنانين التي ساتناولهم في حديثي امثلة على بعض اعظم اللوحات التي شكلت مسيرة التاريخ الفني باكمله والتي تعودالى القرن التاسع عشر تقريبا رسمها فنانون ضليعون رغم ان منزلتهم الفنية كانت عالية في ذلك الوقت، بيد انهم تعرضوا للذم فيما بعد من اجل الحط من قدرهم . اذ قلل الناس كثيرا من اهمية منجزاتهم الفنية فانتقدت اعمالهم باستهزاء في القرن العشرين غير انهم استعادوا منزلتهم العالية ثانية وعدوا من افضل الفنانين واكثرهم مهارة حتى يومنا هذا . ربما تعلم او تجهل اسماء مثل (وليم بوغويرو) و( سير لورانس الماتاديما) و(جون وليم ووترهاوس) و(فردريك لورد ليتون) و(ايرنست لويس ميسونيير) و(ادوارد كولي بيرن جونز) و(فرانك ديكنز) و(جولزجوزف تيسوت) و(جون وليام غود وورد) واخرين غيرهم، ممن يعدون من اعظم الرسامين لهم لوحات صنفت في ما بعد ضمن الروائع التاريخية العالمية في الفن التشكيلي وعشرات العباقرة ممن يحتلون المرتبة الاولى غيرهم قد تجهلهم ومن كثرت كتابات العقائديين عنهم بما شاءوا واتفقوا لذا فان مؤرخي الحداثة انفسهم لا يستحقون ما يحملونه من القاب توثق مهنتهم.
ما زال فن الرسم الذي يعد واحدا من اعظم التقاليد المتوارثة في تاريخ البشرية ومنذ ما يقارب من مئة عام مضت، يتعرض الى اعتداء سافر بلا رحمة ولا هوادة. اشير بذلك الى الى التراكم المعرفي الذي الذي امتد نسيجه من زمن اليونان القديم الى بواكير عصر النهضة من خلال ذرى غير عادية مجسدة في الاعمال الفنية التي تعد قمة الانجاز الفني و مرحلة ازدهار عصر النهضة مثل روائع الفن الهولندي الذي يعود الى القرن السابع عشر والمدارس الفنية الاكاديمية البارزة في القرن التاسع عشرلكن ما ان بلغت تلك الانماط التقليدية اوجها المطلق في ذروه الانجاز الفني واصبح لا يمكن منافستها وايقاف خطواتها المتلاحقة السريعة، حتى اصطدمت من خلال خطوة واسعة بالقرن العشرين، فانهارت من القمة لتسقط فجاة من علوها الشاهق على صخور صلبة وتتهشم الى قطع صغيرة.
هيمنت انماط الفنون التصويرية المعاصرة منذ نشوب الحرب العالمية الاولى على معروضات المتاحف والكليات الفنية في الجامعات وتصدرت مجالات النقد الفني والصحافي فعكست اغلب تلك الفنون مستوى مترديا وضحلا لا يزيد الا قليلا عن مستوىتكرارتمارين الرسم لتعليم للصبيان . كان ذلك فقط من اجل ان يفرض الفنان المعاصر وجوده ويثبت كيانه بالقوة بين عالم الفنانين التقليديين البارزين . حتى صار يرسم ما يشاء بدون الالتزام بأية قيود ومعايير فنية تقليدية سابقة. الا ان من المؤسف له ان الاستمرار بهذا الاتجاه ادى الى تردي المستوى الفني اكثر فهبط العمل الفني بدوره نحوالأسوأ، لانه لم يتحول الى قيم مشوهة مستنبطة في حرية التعبير فحسب بل صار ينجز ضمن اساليب ملتوية غير مقبولة في حرية التعبير…حرية التعبير؟…انها حقا مفارقة..! لأن الحرية المزعومه هذه التي تجسم (الحداثة) بدلا من (التعبير)، صارت نوعا من انوع الكبت او الكتم حتى تحولت الحداثة التي نعرفها في النهاية الى اكثر الانظمة الفكرية قمعا في تاريخ الفن كله واشدها اظطهادا. اذ ان اية مفردة تحدد جانبا مهما كان صغيرا من النظام المالوف في المعطى الفني التقليدي نحتا او رسما تسهم في توضيح معناه اوفي خلق منجزا فنيا ضمن المعايير الفنية المعقولة، تسيء لذلك المنجز ، وعد ذلك العمل الفني مرفوضا..!! والاكثر من ذلك حط البعض من قيمة ذلك العمل وقللوا من منزلته ودنسوا قدسيته بكراهية ومقت شديدين.
اهملت كل مفردة معقولة و معيار يمكن من خلالهما تعريف وتوضيح وخلق منجز فني مميزا رسما كان او نحتا بعد ان قلل النقاد من شان تلك المفردات والمعايير التي تشكل جوانب المهمة للعمل الفني و صارت تعامل بشيء من التحقير والمقت مع التعمد على ازالة واخفاء الجوانب الاساسية القوية التي تزيد من قيمته ذلك المنجز او تشكل العناصرالاكثر فعالية في تميزه وعظمته وذلك من اجل العمل على زيادة ضآلته. . وبهذا اهملت كل جوانب الرسم الجوهرية التي تعد الركيزة الاولى التي يستند اليها الرسام في حرفته ، والقي بها مع فن رسم النموذج الحي للاشخاص (الموديل) في القمامة . كما لاقى فن الرسم من الخيال، ضمن اطار المنظور ورسم الاشكال التي يمكن التعرف عليها اواستلهام الواقع من العالم الحقيقي من حولنا، المصير نفسه. رغم ان تلك الخميره هي ادوات الرسام الحقيقي الجيد الذي يمتلك القدرة الفذة والموهبة لتلقفها ورسمها والتعبير عنها باسلوب شاعري يقدمه للمشاهد . فيصور مواضيع عن البشريه وأحوالها وعن الانسان فينجح من خلالها ان ينقل محاولاته في ادامة وجوده على الكرة الارضية . ان كوكب الارض يندفع بعنف لا نهاية له و نحن على سطحه مع جميع الاشياء الاخرى التي نعرفها ونعتز بها.
اصبحت مفردات حياتنا اليومية والعقل والفلسفة والدين والادب والخيال والاحلام فضلا عن جميع المشاعر الاخرى والاحاسيس الانسانية، لا تجذب اهتمام الرسام حتى صار اي تلميح يصدر من فنان عن قرب او بعد من اجل توضيح مثل هذه المشاعر والمفدردات يوسم بالابتذال
المزيد