ربيع
.
خوار ثيران بني سعد عند الغروب
***
.
وحين تقرّر شمول الحيوان بعادات الإنسان انتقلت ثقافة ورقة التوت إلى عالم الغابة
. والغابة في وطننا هي البريّة أو الصحراء أو العراء أو البساتين المكفهرّة. وكان من نتائج تطبيق تلك الثقافة أن حلّت لغة التعليب على الكائنات الحيّة. وتفتّقت أساليب التوت عن أنواع كثيرة من الابتكارات اعتمدت موادا جاهزة وأخرى مستحدثة وثالثة متخيّلة!
علبة معدنيّة بثقبين يحشون فيها طائرا
. إبريق تواليت بخزقين يمتلآن بساقي دجاجة "مجعوصة" في بطن الإبريق. خمار من الصوف لوجه الحمارة. لباس بنّي يستر عورة البعيرة. إزار إغريقي بحرير شفّاف يحجّب جاموسة. جسد معزة بوشاح أسود. "شيلة" عاهرة بابلية مقدسة لغزالة مدجّنة. حزام عفّة حديدي يطوّق فرج كلبة سائبة. "دشاديش" للديكة. سوتيانات للأبقار. قناني من الپلاستيك، أكياس من الجنفاص، صناديق كارتون، أغلفة راديوات قديمة، أوعية عتيقة… برقع في المخيّلة. "لكچة" ذنوب. "عصابة" آراء وعقائد. عباءة معنوية ذاتية. نقاب غفلة. "پوشيّة" معاصي. خمار الضمير.
واذا تبوّلت حمارة ظنّت أن عدوا رمى ساقيها في أتون مياه حامية فنهقت ورفست وتمرّغت في الأرض، واذا تغوّطت بقرة ارتطمت كتل حارة بين إليتيها وفخذيها ففرّت مفزوعة من تراطم الكتل الليّنة ومن ملاحقة الروائح العطنة الدخيلة على حياتها بعد أن كانت ترمي الفضلات في العراء وتمشي
.
في واقع الأمر فات مستحدثي قوانين عورة الكائنات أشياء وأشياء عندما اعتمدوا مناهج تغريب الطبيعة وتمويه عادات الدوابّ التي خلق الله
. فمثلا فاتتهم قوانين العلم كمثل قوانين بافلوف. ولهذا السبب تحديدا أضاعوا على تلك المخلوقات مسالك التعامل مع رغباتها وردود أفعالها الشرطيّة والغريزيّة. فنشأت على صعيد التناسل الحيواني معضلة، وأصبح التناكح قضيّة مجهولة الأساليب. نعم. داخت الحيوانات في البحث عن مواضيعها الغريزيّة وعن سبل الإثارة والتكاثر، بعد أن كانت تلك الطرق مجرّد نبرات فريدة،
روائح تجدلها ريح عابرة،
جلود تتلوّن،
حركات عضويّة،
نمو معين لبعض الاعضاء
***
[].
ربيع
.
خوار أبقار بني سعد عند الفجر
.
***
وبعد أن رحل اللّيل، إبّان فترة التكاثر تلك، حدث الغزو
!
طبول تقرع عاليا بصمت
. سهام ملوّنة توقفت في الهواء على ارتفاع قامة من الأرض. حركات جامدة وانفعالات مبرقعة بجلود ثخينة!!
قطيع ثيران بني سعد يقلب حياة السكّان رأسا على عقب فيلتهم الذرة والبطاطا والباذنجان والحمضيّات والقطط السائبة
. القطيع هائم بحثا عن الأبقار. يمزّق الجلود التي تطوّق أعضاءه التناسليّة، ومن غضب فاقع يهاجم كل ما يتخيّله موضوعا أنثويا.
***
وحين شارف القطيع الحظائر المحصّنة، حظائر البقر
.
هناك،
توقّف القطيع، وساد الهدوء
.
***
في الحقيقة ليس ثمة حظائر للأبقار بالمعنى المتعارف عليه
. توجد بوابة حديدية ثقيلة وعريضة ومقفلة تؤدي إلى طريق ترابي ينحدر رويدا رويدا إلى ما تحت الأرض. في لحظة ينهض سقف فوق الطريق ويتسّع الفضاء تحته ليصبح جدارا ذا بوابات محكمة الاغلاق. توجد مخابيء غاطسة أحيطت في لجج التراب والأدغال. والسراديب لها نوعين من التأويلات: تأويل يقول أنّ خيول الجنّة تأكل الحشيش في المزارع الفوق أرضية وعلى العامة أن تخفي الابقار لتتمكّن الجياد من الاستمتاع بالحشيش والشعير، وآخر يقول أنّ رطوبة المخابيء فيها سرّ يجعل الحليب مسكا.
في أتون تلك الحظائر تحيا روائح أبقار وأنفاس فلاّحات وعيون نعاج ودجاجات نائمات وروث وعلف وفوانيس ودنان
. الفلاّحات يردّدن ألحانا تستثير الحليب في همس متخشّن يفوح منه ما يشبه خوار ثيران عند الغروب. غناء جماعي يحاكي زفير الثيران. تربّت الفلاّحات على مؤخرات الأبقار وذيولها وما بين أفخاذها برتابة. فالفلاّحات يعرفن جيدا مسالك الحليب، كما الثور حين يلامس البقرة في عجيزتها وبطنها بحركة ممزوجة بزفير إيقاعي من منخريه. وعندما يلاحظ استجابة البقرة وتزايد سرعة تنفّسها والرقص العالي لذيلها، يداعب ضرعها بقرنه. لذلك تعلّمت الفلاّحات أن يرتدين قفّازت متقرّنة من جريد النخيل لملامسة ثدي البقرة. والمرأة لا تتسرّع بملامسة نهد البقرة. بل تسترسل بالتربيت. دفء يدها وحركتها توقظ نشوة لدى البقرة تذكّرها على نحو ما بمقاربة ثور.
تلمس الفلاّحة أطراف النهد بقفّاز الجريد وتترك الحلمات وهالاتها
. سلوك يعمل على خلق حالة من التوتر للمناطق المحيطة بالحلمات. الفلاّحة، وهي تراقب تحوّل البقرة من كائن وديع إلى ثورةٍ تقف على أربع، تخلع القفازات وتمسّد بيديها الدافئتين الهالة والحلمات وكأنّهما لسان ثور. لون الهالة يصبح أعمق. تتلاطم الرغبات في البقرة. خوارها الآن عبارة عن لحن بدائيّ لا يعرفه سوى آباء ما قبل الحضارة ونساء الحليب. تنتفخ حلمة البقرة فتمسك بها الفلاّحة وتفركها فيتساقط الحليب مدرارا.
***
ربيع
.
خوار أبقار بني سعد عند مطلع الشمس
.
أرض فوق سراديب العالم السفلي تتهزز من خوار وغناء
.
***
وعندما خرجت الفلاّحات بدنان الحليب وأقفلن أبواب الملاجيء فوجئن بانتفاضة الثيران
.
الصراخ والدوران والفرار يهيمنان على مطلع الشمس
. صمت الثيران الهائجة. القفز بين الشجيرات وفي مبازل الملح يلوّن الطبيعة البهيجة. بكارة "صابرين" الحمراء. فوق تلّة قريبة يُفتضّ جنون البقر، عفوا جنون الثيران. انجلاء ضباب الصدمة. فلاّحات يعلّقن ثياب أزواجهنّ مثل فزّاعات عملاقة، أخريات يرتدين، على عجل، دشاديش ويشاميغ، وثمّة من تحمل العصا كمن تحمل الكلاشينكوف.
لكن الثيران الهائجة كانت تعرف طريقها نحو الإناث عبر حاسّة الشمّ، لا سيّما في لحظات التوتر الشبقي
. لذلك سرعان ما هاجمت ثياب الرجال وطرحتها أرضا.
ـ النجدة
! الثيران! النجدة!!!
سمع الفلاّحون الهلع فهرول سبعة منهم إلى مصدر الصوت ليجدوا أجسادا مترامية بمؤخرة مكشوفة، أو نهود مندلعة خلل ملابس ممزّقة، أو أنصاف أجساد عارية، أو ساقين مشلوختين لبيان التبيين، وليسمعوا صراخ بلا انتظام
:
ـ النجدة
! الثيران تغتصبنا.
حدّق الفلاّحون مليّا، وحبسوا ما بين أفخاذهم
.
نظروا إلى الثيران فرأوها ترعى، ككلّ يوم، عند مورد الماء
. فظنوّا أنّ النساء هدفهنّ الإيقاع بالرجال. واتّفقوا، دون اتّفاق، على عدم الخضوع لهذه الغواية، خوفا من وشاية بعضهم على بعض وتفاديا لمكائد النساء
المزيد