موسوعة بير عليوي الثقافيه

ثقافيه,فنيه,ادبيه,اخباريه,منوعه,تصدرعن مؤسسة بير عليوي الثقافيه للبحوث والدراسات

بيرعليوي ملتقانا وصخرته مرسى لاوجاعنا وبأفياء سدرته نلقي برؤؤسنا لنتنفس عبير الضحى ونخلد الى قيلولة من نعيم

الخميس,آب 28, 2008


يسري حسين من لندن:

_____________________________________

بورتريت

_______________________________________

حركت أعمال الفنان التشكيلي البريطاني لوسيان فرويد , سوق بيع اللوحات الفنية في إقبال على الذوق المعاصر ومدارسه التي تتجاوز الضفة الكلاسيكية والرؤى التجريدية والأخرى الإنطباعية . وحققت لوحة أخيرة للتشكيلي البارز الوصول إلى سقف < 17.25 مليون > جنيه إسترليني , مما دفعه إلى خانة أهم الفنانين المعاصرين الأحياء .

ولوسيان هو حفيد عالم النفس الشهير فرويد , ويبلغ من العمر 85 عاماً , لكنه لا يزال يعمل وينتج ويثير الجدال بشأن أسلوبه ومغامراته في عالم التشكيل ونوعية المدرسة التي إهتم بها , وتركز على البناء الإنساني أكثر من أي شئ آخر .

وقد أدهشتني ولا تزال لوحاته التي تبحث في الحركة والكتلة البشرية , في أوضاعها المختلفة مع إهتمام بملامح الوجه والتجسيد على مساحة تحتل بؤرة اللوحة كلها , وهذا ما حدث لعمله الأخير , الذي رسمه في بداية التسعينيات ضمن مجموعة كبيرة من إنتاج هذه الفترة .

تابعت أعمال < فرويد > سواء خلال معرضه الأخير في متحف < التيت > وعبر الكتب والدراسات الصادرة عنه , وحواراته الدائمة مع معاصره الأصغر سناً < ديفيد هوكني > الذي يشغر لدوره مساحة كبيرة من الإهتمام العالمي .

والمدرسة البريطانية المعاصرة إستفادت من رحلة التجريب , ويكفي النظر إلى أعمال < فرانسيس بيكون > التي تشغل بدورها بؤرة الحركة التشكيلية العالمية , ولايزال بعد رحيله يهيمن على ساحة النقد التي تغوص في مُجمل أعماله وحياته الصاخبة وتمرده وثورته على جميع الألوان الفنية وتشكيله لمدرسة < البورتريه > بهذا الزخم والتألق المميز في طرح أسئلة عن الثقافة المعاصرة وعوامل تفتيتها وتجزئتها .

وأهم ما يميز لوسيان فرويد , هو طبيعة مدرسة أقامها على التعامل مع الشكل الإنساني والإبتكار في التناول وإزدحام حياته بعدد كبير من < الموديلات > مع جموح الألوان والإهتمام بالتفاصيل والتركيز على الكتلة البشرية في نغمات التكوين والأجزاء المختلفة , التي تعمل ضمن نظام نغمي تشكيلي يصوغ معادلة الفن التي تمزج في جوفه بين عدة مدارس وتخرج بهذا الحضور المفعم الجميل .

وركزت الأخبار على < الموديل > سو تيلي , التي وقفت أمام لوسيان فرويد وحصلت اللوحة التي كانت هي موضوعها , على أكبر مبلغ يصل إليه فنان على قيد الحياة . وقد نالت < سو > مبلغ 33 جنيه إسترليني نتيجة عمل ثمانية ساعات . وتم رسمها عبر ريشة الفنان خلال < 4 لوحات > وصلت قيمتها في أسواق الفن التشكيلي إلى 100 مليون جنيه إسترليني , لكنها لم تحصل على شئ من تلك المبالغ الطائلة سوى هذه الجنيهات القليلة .

وعبّرت الموديل < سو تيلي > عن رضاها الكامل , إذ في رأيها يكفي أنها وقفت أمام فنان بقيمة لوسيان فرويد , والمهم لديها ليس المال , وإنما هذا العطاء الفني الذي حولها إلى < أيقونة > وأشهر عارضة بهذه القيمة الفنية الكبيرة التي أدخلتها التاريخ من أوسع أبوابه .

وأثار بيع لوحة لوسيان فرويد في مزاد كريستي بنيويورك , التساؤلات حول سوق اللوحات التشكيلية المعاصرة على وجه التحديد , والتي تحظى بإقبال من مشترين على مستوى العالم , على الرغم من مظاهر كساد تطل برأسها على المشهد المالي الدولي .

ويُرجع البعض إنتعاش هذا السوق وإرتفاع قيمة اللوحات المعاصرة إلى زيادة عدد الأثرياء في الشرق والغرب معاً . وهؤلاء يرغبون في إضافة قيمة فنية إلى ممتلكاتهم فيشترون هذه الأعمال ويرفعون قيمتها في الأسواق .

وهناك أيضاً نزعة المضاربة على لوحات فنية في أسواق تستقطب رؤؤس الأموال , حيث تتحول الأعمال الفنية إلى وعاء إدخار مضمون وإستثمار ترتفع درجاته وقميته على مدار الوقت والزمن .

وتبدو رغبة أثرياء لإستثمار أموالهم في شراء لوحات لفنانين أصبحت أسمائهم معروفة ومضمونة , وتحقق أعمالهم إرتفاع قميتها المالية داخل السوق .

وتميز عمل ومسيرة لوسيان فرويد بالصبر وتجويد فنه , والإصرار على البقاء حيث حصل على مكانة بالغة بين أقرانه البريطانيين والعالميين . وأعطى بفنه مكانة لتيار بريطاني معاصر , بدأ يلفت الإنتباه في هذا العصر , فإذا كان الفن الإيطالي والهولندي بمدارسه جذب الإنتباه في عصور النهضة والأخرى الكلاسيكية , فإن فرنسا فتحت أبوابها للعصر الإنطباعي , ثم إستقطبت التيار الأسباني المتمرد مثل < بيكاسو > و < سلفادور دالي > . وإزدهرت مدارس في ضوء نور باريس بعشرات الإتجاهات البديعة التي تنقلت بين الحقول والساحات المطلة على نهر < السين > .
تطرح المدرسة البريطانية سماتها من داخل قاعات المراسم وتأمل الفنان للمحيط الذاتي والتركيز على عزلة فنية تعطي هذا الفيض على يد < فرانسيس بيكون > وفي إنتقال آخر نحو فرويد ثم ديفيد هوكني .

وهؤلاء أعلام مدرسة بريطانية معاصرة تستقطب الإهتمام العالمي , ثم تدفع أثرياء يدخلون سوق إمتلاك اللوحات الفنية , لرفع قيمة أعمال هؤلاء الفنانين ودفع الملايين لشراء لوحة , كما حدث في نيويورك عند طرح واحدة من أعمال لوسيان فرويد .

وقد تأملت أعمال لوسيان فرويد في معرض له بقاعة بمنطقة < الوايت سيتي > ووجدت ملامح مدرسة بهذا الزخم والإنتاج الغزير , الذي يلفت الإنتباه في أشكال التنوع البشري والإهتمام بالمرأة وتركيز الضوء على رسم لوحات شخصية لأسماء مشهورة وأخرى عادية .

شدني منذ فترة قيام لوسيان فرويد برسم صورة شخصية لزميله ديفيد هوكني , وقيام الأخير بفعل الشئ نفسه . وكان هذا الحوار بالألوان والأشكال قمة من مظاهر الإبداع والنقاش بين مدرستين بينهما الكثير من الخلاف , لكنهما يتفقان على تقدير كل منهما للآخر .

ويعطي متحف < التيت > الذي يخصص لأعمال فنانين بريطانيين , مساحة لتركيز الضوء على لوحات معاصرين لديهم ملامح الإرتكاز على مدرسة متميزة في إختيار الموضوعات والألوان . وقد خصص المتحف في الآونة الأخيرة نشاطه على أعمال < هوكني > وخطوطها الحديثة وتأملاتها في شكل الطبيعة وتحويل المناظر إلى خطوط وألوان على سطح اللوحة المتميزة بعبقرية الرصد وترجمة الخارج كله وحصره في مساحة صغيرة يمكن النظر إليها , يفجر مئات الموضوعات والأفكار .

وأعمال < فرويد > التي تجول داخل عالم البشر , فيها هذا الثراء والإبتكار وترك العقل الإنساني يفكر , بعد السماح للوجدان بإستقبال هذه الموجات من الألوان والأشكال وعلاقاتها بالمحيط الذي حولها .

لوسيان فرويد , يطل على ساحة الفن التشكيلي بهذا الزخم البديع , وهو في عامة الخامس والثمانين , تتجدد طاقته بضوء الفن والمحبة المتدفقة وتجعله يلمس العالم الإنساني بهذا الجلال البديع .

 




 موسوعة بير عليوي الثقافية
راسلونا
beer.elawe@yahoo.com