يسري حسين من لندن:
_____________________________________

_______________________________________
حركت أعمال الفنان التشكيلي البريطاني لوسيان فرويد , سوق بيع اللوحات الفنية في إقبال على الذوق المعاصر ومدارسه التي تتجاوز الضفة الكلاسيكية والرؤى التجريدية والأخرى الإنطباعية . وحققت لوحة أخيرة للتشكيلي البارز الوصول إلى سقف < 17.25 مليون > جنيه إسترليني , مما دفعه إلى خانة أهم الفنانين المعاصرين الأحياء .
ولوسيان هو حفيد عالم النفس الشهير فرويد , ويبلغ من العمر 85 عاماً , لكنه لا يزال يعمل وينتج ويثير الجدال بشأن أسلوبه ومغامراته في عالم التشكيل ونوعية المدرسة التي إهتم بها , وتركز على البناء الإنساني أكثر من أي شئ آخر .
وقد أدهشتني ولا تزال لوحاته التي تبحث في الحركة والكتلة البشرية , في أوضاعها المختلفة مع إهتمام بملامح الوجه والتجسيد على مساحة تحتل بؤرة اللوحة كلها , وهذا ما حدث لعمله الأخير , الذي رسمه في بداية التسعينيات ضمن مجموعة كبيرة من إنتاج هذه الفترة .
تابعت أعمال < فرويد > سواء خلال معرضه الأخير في متحف < التيت > وعبر الكتب والدراسات الصادرة عنه , وحواراته الدائمة مع معاصره الأصغر سناً < ديفيد هوكني > الذي يشغر لدوره مساحة كبيرة من الإهتمام العالمي .
والمدرسة البريطانية المعاصرة إستفادت من رحلة التجريب , ويكفي النظر إلى أعمال < فرانسيس بيكون > التي تشغل بدورها بؤرة الحركة التشكيلية العالمية , ولايزال بعد رحيله يهيمن على ساحة النقد التي تغوص في مُجمل أعماله وحياته الصاخبة وتمرده وثورته على جميع الألوان الفنية وتشكيله لمدرسة < البورتريه > بهذا الزخم والتألق المميز في طرح أسئلة عن الثقافة المعاصرة وعوامل تفتيتها وتجزئتها .
وأهم ما يميز لوسيان فرويد , هو طبيعة مدرسة أقامها على التعامل مع الشكل الإنساني والإبتكار في التناول وإزدحام حياته بعدد كبير من < الموديلات > مع جموح الألوان والإهتمام بالتفاصيل والتركيز على الكتلة البشرية في نغمات التكوين والأجزاء المختلفة , التي تعمل ضمن نظام نغمي تشكيلي يصوغ معادلة الفن التي تمزج في جوفه بين عدة مدارس وتخرج بهذا الحضور المفعم الجميل .
وركزت الأخبار على < الموديل > سو تيلي , التي وقفت أمام لوسيان فرويد وحصلت اللوحة التي كانت هي موضوعها , على أكبر مبلغ يصل إليه فنان على قيد الحياة . وقد نالت < سو > مبلغ 33 جنيه إسترليني نتيجة عمل ثمانية ساعات . وتم رسمها عبر ريشة الفنان خلال < 4 لوحات > وصلت قيمتها في أسواق الفن التشكيلي إلى 100 مليون جنيه إسترليني , لكنها لم تحصل على شئ من تلك المبالغ الطائلة سوى هذه الجنيهات القليلة .
وعبّرت الموديل < سو تيلي > عن رضاها الكامل , إذ في رأيها يكفي أنها وقفت أمام فنان بقيمة لوسيان فرويد , والمهم لديها ليس المال , وإنما هذا العطاء الفني الذي حولها إلى < أيقونة > وأشهر عارضة بهذه القيمة الفنية الكبيرة التي أدخلتها التاريخ من أوسع أبوابه .
وأثار بيع لوحة لوسيان فرويد في مزاد كريستي بنيويورك , التساؤلات حول سوق اللوحات التشكيلية المعاصرة على وجه التحديد , والتي تحظى بإقبال من مشترين على مستوى العالم , على الرغم من مظاهر كساد تطل برأسها على المشهد المالي الدولي .
ويُرجع البعض إنتعاش هذا السوق وإرتفاع قيمة اللوحات المعاصرة إلى زيادة عدد الأثرياء في الشرق والغرب معاً . وهؤلاء يرغبون في إضافة قيمة فنية إلى ممتلكاتهم فيشترون هذه الأعمال ويرفعون قيمتها في الأسواق .
وهناك أيضاً نزعة المضاربة على لوحات فنية في أسواق تستقطب رؤؤس الأموال , حيث تتحول الأعمال الفنية إلى وعاء إدخار مضمون وإستثمار ترتفع درجاته وقميته على مدار الوقت والزمن .
وتبدو رغبة أثرياء لإستثمار أموالهم في شراء لوحات لفنانين أصبحت أسمائهم معروفة ومضمونة , وتحقق أعمالهم إرتفاع قميتها المالية داخل السوق .
وتميز عمل ومسيرة لوسيان فرويد بالصبر وتجويد فنه , والإصرار على البقاء حيث حصل على مكانة بالغة بين أقرانه البريطانيين والعالميين . وأعطى بفنه مكانة لتيار بريطاني معاصر , بدأ يلفت الإنتباه في هذا العصر , فإذا كان الفن الإيطالي والهولندي بمدارسه جذب الإنتباه في عصور النهضة والأخرى الكلاسيكية , فإن فرنسا فتحت أبوابها للعصر الإنطباعي , ثم إستقطبت التيار الأسباني المتمرد مثل < بيكاسو > و < سلفادور دالي > . وإزدهرت مدارس في ضوء نور باريس بعشرات الإتجاهات البديعة التي تنقلت بين الحقول والساحات المطلة على نهر < السين > .
تطرح المدرسة البريطانية سماتها من داخل قاعات المراسم وتأمل الفنان للمحيط الذاتي والتركيز على عزلة فنية تعطي هذا الفيض على يد < فرانسيس بيكون > وفي إنتقال آخر نحو فرويد ثم ديفيد هوكني .
وهؤلاء أعلام مدرسة بريطانية معاصرة تستقطب الإهتمام العالمي , ثم تدفع أثرياء يدخلون سوق إمتلاك اللوحات الفنية , لرفع قيمة أعمال هؤلاء الفنانين ودفع الملايين لشراء لوحة , كما حدث في نيويورك عند طرح واحدة من أعمال لوسيان فرويد .
وقد تأملت أعمال لوسيان فرويد في معرض له بقاعة بمنطقة < الوايت سيتي > ووجدت ملامح مدرسة بهذا الزخم والإنتاج الغزير , الذي يلفت الإنتباه في أشكال التنوع البشري والإهتمام بالمرأة وتركيز الضوء على رسم لوحات شخصية لأسماء مشهورة وأخرى عادية .
شدني منذ فترة قيام لوسيان فرويد برسم صورة شخصية لزميله ديفيد هوكني , وقيام الأخير بفعل الشئ نفسه . وكان هذا الحوار بالألوان والأشكال قمة من مظاهر الإبداع والنقاش بين مدرستين بينهما الكثير من الخلاف , لكنهما يتفقان على تقدير كل منهما للآخر .
ويعطي متحف < التيت > الذي يخصص لأعمال فنانين بريطانيين , مساحة لتركيز الضوء على لوحات معاصرين لديهم ملامح الإرتكاز على مدرسة متميزة في إختيار الموضوعات والألوان . وقد خصص المتحف في الآونة الأخيرة نشاطه على أعمال < هوكني > وخطوطها الحديثة وتأملاتها في شكل الطبيعة وتحويل المناظر إلى خطوط وألوان على سطح اللوحة المتميزة بعبقرية الرصد وترجمة الخارج كله وحصره في مساحة صغيرة يمكن النظر إليها , يفجر مئات الموضوعات والأفكار .
وأعمال < فرويد > التي تجول داخل عالم البشر , فيها هذا الثراء والإبتكار وترك العقل الإنساني يفكر , بعد السماح للوجدان بإستقبال هذه الموجات من الألوان والأشكال وعلاقاتها بالمحيط الذي حولها .
لوسيان فرويد , يطل على ساحة الفن التشكيلي بهذا الزخم البديع , وهو في عامة الخامس والثمانين , تتجدد طاقته بضوء الفن والمحبة المتدفقة وتجعله يلمس العالم الإنساني بهذا الجلال البديع .
كتبها ---- في 08:23 صباحاً ::
الاسم: ---- 
