الإهداء: لك ايها الحبيب.. مواهبك الفذة وشخصيتك الجميلة جعلتني فخوراً بإبوتك بحق.
فؤاد ميرزا
mirzafouad@yahoo.com
* قاص وفنان تشكيلي، بكالورس هندسة الكترونية, وماجستير ادارة أعمال من الولايات المتحدة.
* يجيد اللغتين الايطالية والانكليزية الى جانب العربية.
* مواليد 1955 / شهد المقاومة الباسلة لعكد ( شارع) الكفاح في شباط 1963 .
* من كرد جنوب العراق( الفيلية) وقد تعرض هو وعائلته للأذى من قبل حزب البعث الفاشي .
* ديمقراطي لم ينتم إلى أيّ حزب سياسي.
* غادر العراق 1978.
* من رواد كتابة (القصة القصيرة جداً) في العراق ، في بداية سبعينات القرن الماضي.
* نشرأعماله القصصية في كثير من المجلات العراقية والعربية، منها: الطليعة الأدبية، الف باء، الآداب، الكرمل، الثقافة العربية و مشارف…….
* مدير(جيرمن) لمؤسسة تراي الثقافية المستقلة،التي لها عدة مواقع ألكترونية مثل : (الكاتب العراقي) و(الفنان العراقي) فضلاً عن مساهمتها في الأنشطة الثقافية (العراقية)
يعيش حاليا في الولايات المتحدة. .
النهر
ابتسم الشاب، ثم رفع حفنةَ ماء إلى فمه فابتسم النهر له بدوره . ارتوى هذه المرة إلى حد الامتلاء ( يا له من ماء نظيف ومدهش) لقد كان فرحاً غامراً ذلك الذي يلم به وهو يتأمل الماء المنحسر دائماً..
( الماء ليس هو ذاته ومع ذلك فالنهر باقٍ خالد!)
استدار حوله، الهدوء شامل، وكان هو مع النهر. أحس بأن هذا العمق يخطفه إلى أعمق.. حيث الصمت رهيب والوحشة مفزعة..
ـ من أنت؟
ـ أنا ما ترى .. ماذا يدور بخلدك؟
ـ ليس هناك شيء البتة.. لكنني أخاف النمل.
ـ أي نمل؟
ـ أسراب كثيرة ستزحف نحوي لتنهشني بعد قليل.
ـ تعال عندي.
ـ هل ستضيفني؟
ـ إنك ستصبح مني.
ـ إنني أحببتك منذ زمن.
ـ الخلود أم أنا؟
ـ بل أنت.
على حين غرة جاءت شجيرة مقطعة الأغصان والجذور بشكل يبعث على الحزن والشفقة, وعلقت بحجر
ـ من هي؟ سأل الشاب.
ـ ضيف مثلك.
ـ وهل تستضيف أشياء غير إنسانية أيضاً؟
كركر النهر هذه المرة مرحاً، ثم قال:
ـ عجيب.. الأنسان هو هو.. حتى في معرفتي!
ـ الخلود! .. لم أفهم شيئاً!
لم يجب النهر وغرق ضاحكاً بين موجاته الهادئة. سمع الشاب صوت قاطرة من بعيد أفزعه وأعاده إلى حواسه.. كان هو والنهر وحيدين في تلك الليلة الداكنة, لكنه امتلأ بشعور غريب أيضاً.. لقد أصبح صديقاً للنهر.. الأمر الذي ملأه بالقوة إلى حد كبير. ضحك بنشوة.. ثم قفز إلى الماء، وأحس بأنه قد ارتوى ولن يعطش إلى الأبد.
بغداد 1975
مرجان
في الغرفة المجاورة. رجل عجوز أسود، صديق لأبي. زارنا قبل يومين.. دخل الغرفة وأغلق خلفه الباب. تعهدت أنا بأطعامه.. رجل أسود غير بشوش. يتناول (الصينية) مني ويضعها على الأرض. لا يتكلم أبداً. بل يدخن غليوناً طويلاً من خشب التوت. ينظر إلى صينية الطعام, ولا يكف عن التدخين. دخان أسود له رائحة نفاذة قوية كرائحة الشياط.
سألت أبي عنه.. قال: هذا صياد لؤلؤ.. تعرفت إليه في البصرة. قال أبي: الأسود قتل واحداً منهم. أمي لا تقترب من تلك الغرفة.. وفي السرير ليلاً.. تتخامش مع أبي.. وتتحدث عن الرجل الأسود.. قال أبي: لقد قتلوا امرأته.. ولقد قتل القاتل.
أبي كان (فيلياً) ويعرف سبع لغات.. وله أصدقاء أجانب من مختلف الأجناس, يستوقفونه في كل مكان. أبي كان طيباً
ومخلصاً لأصدقائه القدامى.
كانت النوافذ مسدلة.. والغرفة التي يجلس فيها الرجل الأسود هي غرفة الضيوف. وكان الأسود قد جلس على البساط متكئاً بظهره على الأريكة الخشبية. كان يمد رجليه، فأرى بياض باطن قدميه وباطن كفيه.. كانت له أسنان كالعاج.. لكنه لم يكن يبتسم مطلقاً. رأيت أسنانه ومقلتيه البيضاء مكبرة في قدح الماء وهو يشرب. كان ينام في نفس المكان الذي يجلس فيه واضعآ يديه تحت رأسه، فوق الكوفية الحمراء والعقال.
لم تكن أمي تحب الرجل الأسود، أما أنا فأحب الدخان الذي يجعلني أعطس.
الرجل الأسود.. صياد لؤلؤ، لكنه لم يمنحني شيئآ طيلة مدة بقائه في البيت. أمضى الرجل الأسود تسعة أيام في الغرفة دون أن يخرج أو يحدّث أحداً.. ثم أنصرف.. ومضى في الأزقة وتاه في بغداد.
في الشورجة قبل يومين رأيت عجوزاً أسودَ تفوح منه رائحة بنّ مُحمصّ وتبغ أسود شائط. راقبت غليونه وكوفيته الحمراء، تجاعيد الظلام تحت عينيه وشقوق جبهته وخديه. كانت بيده دلّة وفناجين صغيرة يطقطق بها ويبتسم للجميع. أسنانه بيض عاجية ويبتسم حتى للمارة الذين لا يرغبون بقهوته.
قلت:- ألست مرجان؟
حدق فيّ ملياً.. وذابت ابتسامته رويداً رويداً, في غليونه الطويل. احترقت وتصاعدت على شكل دوائر سوداء.. ثم رأيت أسنانه من جديد.. ابتسامة عذبة حائرة..
وطقطق فناجينه أمام عينيّ قائلاً :
- أترغب بفنجان قهوة؟
قلت: - لا.
كان دخان الغليون قد جعلني أعطس .. رفعت عينيّ الممتلئتين بالدموع.. كان العجوز الأسود قد اختفى.. خلفني وضاع بين الجموع من جديد!
بغداد 1975
شامة خديجة
البنات يأخذنها إلى الغرفة ويغلقن خلفهن الباب؛ كل ذلك من أجل أن يرين شامة خديجة. وخديجة معروفة بشامتها. الصغار والكبار ينادونها بخديجة أم الشامة. وهي بجديلتيها غير المضفورتين وشعرها الأشعث تبدو كإحدى صبيات الغجر. وهي لم تكن تمانع، بل تفرح حينما كانوا يسألونها عن شامتها. قالت لي أختي: إنها شامة بحجم حبة الحمص فوق عانتها مباشرة. غير أن الذي أعرفه أنها لم تكن ترتدي لباساً داخلياً من أيّ نوع! بعبارة أخرى أنها تملك شامة بحجم حبة الحمص فوق عانتها مباشرة. ثم ماذا! وما كل هذه الأهمية لشامة خديجة؟ ولماذا تفرح خديجة لأنها تملك شامة بحجم حبة الحمص ؟ والكل يتشوقون لرؤيتها! لم أكن أطيق خديجة هذه. كنت أكرهها وأكره شامتها حبة الحمص تلك. أكره ابتسامتها حينما يقدنها إلى الغرفة ويغلقن خلفها الباب, يرفعن ثوبها ويشرن بأصابعهن ويكركرن.. إنها بحجم حبة الحمص حقاً.. وهي هناك, فوق عانة خديجة.
كنت أدعوها بخديجة ( أم الشامة ) احتقاراً. لكن الناس جميعاً كانوا يدعونها كذلك.. لذا فهي لم تر في نعتي الذميم ذاك أي احتقار. كنت أسررت للأولاد بأمرها وأفشيت لهم سرها, فشاركني الجميع الضحك ومشاعر المقت والاستهجان، لكنهم حينما كانوا يلمحونها تقترب منهم أو تتحدث إليهم. كانوا يظهرون احتراماً غريباً، كما لو كانوا يخشونها أو يدخرونها لأمر ما في نفوسهم! ولقد صرحوا لي جميعاً, واحداً بعد الآخر. . الخونة.. إنهم يودون أيضاً رؤية شامة خديجة والتي هي بحجم حبة الحمص! ولم اعد أطيق ذلك؛ فهجرتهم واحداً واحداً ماذا حل برؤوس كل أولئك الناس؟ فحتى الكبار أخذوا ينادونها الآن ويلامسون رأسها. يمسحون شعرها، يعدلون ياقتها، وينفضون عن طرف ثوبها التراب، وكأنهم يتقربون شيئاً فشيئاً من رفع ثوبها والنظر إلى شامتها! لم أكن أفهم ما أهمية أن يمتلك الإنسان شامة بحجم حبة الحمص فوق عانته! أقسم أن الجميع قد رأوا شامة خديجة، الصغار والكبار، البنات والأولاد ماعداي. أما هي فقد تعودت بعد حين على رفع ثوبها، ولم تعد تأبه كثيراً بهوية المتفرج. أهو صبي أم فتاة. حتى لأظنها تبدو تعيسة إذا انشغل الناس عنها وعن شامتها. فأتخيلها واقفة أمامهم ناظرة في عيونهم باستعطاف: أما يكفي الآن؟ .. ألم يحن الوقت؟.. ألا تريدون رؤية شامتي؟! أنا وحدي لم أكن أفهم ما الأهمية التي يعلقها العالم على شامة خديجة وكنت أحتقر ذلك وأشمئز منه.
تزوجت خديجة، كما أني ( بلغت ) وأمسيت جاداً إلى أبعد الحدود، مفكراً طيلة الوقت في الثورة وتغيير العالم.. لكن خديجة كانت هناك, وكنت معها في خلوة! لقد هجرت زوجها وعادت إلى بيت أمها تجرجر خلفها طفلتين. ولقد جلست تقص على أمي التي كانت تخيط لها ثوباً جديداً حكاية عذابها في عشها الزوجي. ولا أعرف كيف اختفت أمي بعد ذلك.. كنت أفكر بها: يا لها من امرأة في محنة ومسكينة! كانت حزينة بلا فرح في عينيها ولا ابتسامة. ومن على الأريكة كنت ألمح دموعها. وهنا خطرت لي ذكرى شامتها المشهورة. وبنزق صبوي اقتربت منها لأذكرها بشيء بهيج مفرح.. فسألتها عن شامتها. لكنها بدل أن تأخذ ملاحظتي هزلاً سألتني إذا كان بودي حقآ أن أرى شامتها! بعد ذلك اليوم.. عرفت لماذا كانت شامة خديجة والتي هي بحجم حبة الحمص على عانتها تماماً بكل تلك الأهمية.
1990امريكا
الغيمة
ضحكت الغيمة الصغيرة وقفزت بسيقانها الدخانية فوق اجسام غيمات اصغر منها فبعثرتها الى نتف تشبه نتف الثلج والقطن . ضحكت الغيمة بكل ما في قلبها الصبوي من فرح وقالت: سأتحول الآن الى راع بمزمار وسأسحرك فتتحولين الى شاة ثم معزى بريّة.
وفعلاَ تحولت الغيمة الى راع بمزمار يشدو لحناً شجياً، وحولت الغيمة التي تتبعها الى شاة ثم أيّل ثم طير. وبنزق طفولي لا يحركه إلا الملل تحولت الغيمة الصغيرة وبلحظة واحدة الى عشرات الأشكال والأشياء: فمن شجيرة الى رأس شيخ جليل الى جمل بسنامين الى فيل بخرطوم الى بوق الى صبية فيليية اسمها نسرين.
يحدث كل هذا على صفحة السماء، التي كانت ساطعة الزرقة مشرقة فوق نسرين التي تعدو تلك اللحظة عابرة الزقاق وهي تكركر هاربة من علاوي الذي كان يصغرها بعام واحد ولم يكن يجاريها الفرح أو العدو.
بغداد 1974
أزقة الدهشة
تفحص وجهه في المرآة: نفس الوجه الصغير الطافح بالبهجة يلوح أمامه, وشعره المهمل منذ البارحة، وتلك البقع القاتمة السمرة لا ينفع معها الماء، وكم من مرة أقسم لأمه بذلك. قبل أن تراه أمه غذ السير شاعراً بالسعادة. تمنى أن يوقف المارة ليثرثر معهم، يخبرهم عن سبب سعادته. جاءت البارحة جارتهم وأهدته دمية. تمتمت:
" كم أنت فقير ايها الولد الصغير" .
خلل ظلام الليل سمع صوت أمه وهي تغني بحزن وعذوبة والنجوم تنخرط من اماكنها وتسقط خلف حجاب خفي. لم يغمض عينيه وبقى يفكر بكلمات المرأة.
وفي الصباح سأل أمه حائراً : هل نحن فقراء؟ قالت: نعم. قال: من هم الفقراء؟ قالت: كل الناس. لم يفهم ذلك تماما ولكنه شعر بفرح غامر لامتلاكه دمية جديدة.
بين الحلم اليقظة مرت سيارة مسرعة واختفت في المنعطف.نظر الى دميته هذه الدمى الصغيرة التي تعيش وتقضي نحبها، تتهشم عظامها الصغيرة من دون أن تتأوه.
لم يعد سعيدا ولا حزيناَ على الأرض ونشج بلا دموع.
بغداد 1974
يوم طارت الأسماك
لم يرَ أحد من قبل صبياً بهذا الطول. نحيل دقيق مثل خيط .. وحينما يصعد الى سطح الدار، حيث يتجمع الأطفال لصيد السمك المسحور الطائر. كان هو أطول منا جميعا, ولذلك السبب يكون أحسننا حظاً وأكثرنا قدرة على الإمساك بالأسماك الطائرة.. كان يجلب معه شبكة مخروطية مثبتة على طرف قصبة بردي طويلة.. يدور ويلف حول نفسه عدة دورات رافعا الشبكة عالياً فنرى الأسماك تسقط في الشبكة: الأسماك الذهبية والفضية، الطويلة ذات المناقير، والعريضة المفلطحة ذات الأسنان الحادة وتلك التي لها عيون غاضبة. البني والشبوط والزوري، كلها تسقط أسيرة في شبكته الطائرة. يتوقف لبرهة ينفض الشبكة بحركة متغطرسة متعالية فتمتلئ سلالنا الفارغة بالسمك الحي الذي يبقى يلبط لساعات. يضع كفيه على خاصرتيه مقهقهاً بصوت جهوري. يحكى بأن الصبي الطويل كان مسحوراً، تمتم ذات يوم في نهر دجلة فجعل الأسماك تغادر الماء محلقة في سماء بغداد فوق سطوح البيوت. . نتذكر بأن الصبي الطويل تحول ذات يوم هو نفسه الى شيء كالدخان وصار غيمة على شكل سمكة.
بغداد 1974
تمر في السماء
استيقظ على لسعة شمس وجلبة في الشارع وصهيل حصان. رفع رأسه عن الوسادة فرأى ثلاثة غربان عند سور السطح قرب تمر نخلة البربن، تنفش ريشها وتنظف جلدها بمناقيرها، تدخل رؤوسها تحت أجنحتها ثم تتطلع الى أسفل حيث يقف، تنظر له ولا تطير. كانت الغربان تعرف على ما يبدو عدم مقدرته على إيذائها بسبب صغر سنه وعلو سور السطح. لوحّ بيده وأخرج كل الأصوات التي تخيف الطيور لكن الغربان بقيت مشغولة بنفسها ترمقه بين حين وآخر دون كثير اكتراث. أمسك بحجر وقذف به عبر السماء. ومن موضع الحجر بزغ شكل طائرة حربية مربعة الذنب شقت السماء مثل مقص يعمل في نول ازرق فشطرتها الى شطرين. ومن حافة السياج انطلق خرطوش المصفحات العسكرية التي طوقت الحي. الخرطوش له شكل التمر ملأ بعذوقه صفحة السماء . طارت الغربان الثلاثة فحلق خلفها وتوقف ليجمع الخرطوش الجميل الذي له شكل التمر.
عثر عليه أخوته صباح فجر 8 شباط 1963 وفي فراشه رسمت خريطتان واحدة من دم حول عنقه والاخرى من البول حول ساقيه.
بغداد 1975
زيدان
اعتاد زيدان ان يبكي ثلاث مرات في اليوم؛ مما دعا الجيران الى الطرق على السقف وعلى الجدران احتجاجا على الصوت النشاز. قرر زيدان والذي خلقه الله بست اصابع في كل يد وبقلبين (في كل جهة قلب) ان يبكي يوميا مرتين بصوت خفيض محاباة للجيران ومرة واحدة لنفسه بصوت مروع .
بغداد 1974
سعدية
تقيأت دما وقالوا لا مفر من الموت وأن المصاب هو السل.. زارتها حكيمات مدينة الحلة وساحراتها ونصحنها بمعانقة شاب فيلي أمام المارة بلا خجل. حينما دخلت بغداد وقصدت سوق الصدرية ، احتارت سعدية المحمولة على الأيدي من تقبل، فكل من يمر بها له وجه قمر.. تقدمت من فتى وسيم يدعى اسكندر وقبلته من فمه قبلة طويلة. يحكى أن سعدية عاشت مائة عام، أما الفتى اسكندر فلم يذكر له التاريخ خبر.
بغداد 1974
اسطة بدري
وقفت بدرية أمام المرآة وبمقص بارد كبير أخذت تقص شعرها الأسود الطويل خصلة إثر خصلة حتى أخذ وجهها الفتي يشبه وجه غلام صغير. انتزعت عقدها الذهبي من عنقها كما انتزعت قرطيها وخاتماً له فص من العقيق كان يزين أصبع أمها المرحومة، و ارتدت فوق كُلّ ذلك ملابس الذكور.
برعت الشابة اليتيمة التي أخذت تلبس الآن دشداشة والدها المرحوم وتطوق رأسها بكوفية بتسلق النخيل السامق الصعب، وشوهدت تعمل فأسها في الخشب، تجمع حطب الوقود، وتقف في طابور عمال البناء الصباحي الذي نقلها من مدينة الى مدينة حتى استقرت في بغداد.
أصبح لبدرية التي تحول إسمها الى أسطة بدري، شهرة وباع في بناء البيوت الحديثة المبنية من الطابوق المفخور كما ذاع صيتها /صيته بالنكتة اللاذعة وفاحش الكلام حتى بوجود ابنته الشابة بدرية، التي كانت ترافقه كظله الى مقهى بوابة الكيلاني حيث اعتاد الجلوس كل مساء. وحينما يُسأل اسطة بدري عن سبب عزوفه عن الزواج وخاصة أن كثيراً من عانسات الحي يتمنين الاقتران به. يشير الى ابنته الجالسة قبالته على تخت المقهى ( بدرية هي من ثالث وآخر زوجاتي.. زوجتي العاهرة كانت تستدرج وتغوي كل عمالي الفتيان الذين اخترتهم لقوتهم و إخلاصهم…. ولذلك طلقتها و أقسمت أن لا اتزوج مرة رابعة) يقهقه بخشونة وتقهقه ابنته معه بنفس طريقته وهي تطلق سحابات من دخان النركيلة في وجوه المتعجبين. بغداد 1975
القلب المسحور
كانت في السابعة عشرة. تواعدت معه قرب شاطئ دجلة، وضمته اليها بقوة. قبلته من شفتيه ثم غرست سكينا حادة في صدره وانتزعت قلبه ورمته الى السمك، فنهشته عشرات السمكات النهمات. ثم غرست السكين في صدرها وانتزعت قلبها ورمته الى الماء فأكلته زورية صغيرة عابرة.
***
تعشي عينيَّ الصبي شمسٌ قوية، و يتطاير على وجهه رذاذ بارد من دجلة. وقف ملتصقاً بالسور الحجري المثلم مباشرة فوق مجموعة من الفتية الفيلية يصيدون السمك بخيوط مربوطة مباشرة الى اصابعهم. كان يبدو أنهم تسابقوا على عبور النهر سباحة غير انهم تعبوا وعزموا على صيد الشبوط وشيه وأكله كعادتهم دون مغادرة الشاطئ… وعن الصيد وعن قدراتهم في السباحة كانوا يثرثرون ويتشاكسون ويخوضون في الماء حتى سراويلهم مخلصين الصنانير حينما تعلق بالطين. وعلى طول الشاطيء من جهة الرصافة كانت ترى تجمعات صغيرة مشابهة تفعل نفس الشيء. أشخاص يصيدون أو يسبحون أو يجمعون اخشاباً واوراقاً لغرض ايقاد نار.. وفجأة علقت سمكة بخيط صياد شاب غاية في الوسامة. فسحبها ليكتشف انها كانت مجرد (زورية) صغيرة فقطب وجهه باستياء. خلص خيشومها من السنارة وأمسكها من ذيلها مزمعاً اعادتها للنهر. نظر الصياد الى أعلى فلمح الصبي الصغير الملتصق بالسور يتطلع اليه بإنبهار. هتف بحنجرة قوية: تريدها. فأومأ الصغير بالإيجاب. رماها الشاب له بقوة من خلف كتفه. سقطت السمكة قربه وأخذت تتقلب على التراب. انحنى الصغير فوقها وأمسكها من ذيلها بحذر. رفع السمكة محدقا عبر حدقتي عينيها كمن ينظر عبر فتحة صندوق مظلم. من داخل السمكة سمع صوت فتاة تهتف: أحبك. كم أحبك.
غسلتها أمه تحت الحنفية، فترطب جسم السمكة الذي كان متصلباً، قالت: انها صغيرة جداً ولا تنفع لشيء. خذها الى أم كوثر فأنهم يقلون السمك اليوم للغداء؛ لعلها تقليها لك.
هرول خارجا من الباب ممسكاً بالسمكة من ذيلها بين سبابته وابهامه مبعداً إياها عن وجهه كما لو كانت على قيد الحياة. وبين فترة وأخرى يسمع صوت فتاة تقول: كم أحبك..كم أحبك.
دفع الباب المردود دون أن يطرقه.
ثلاث سمكات تفوح منها رائحة الشياط تتقلب في مقلاة مليئة بالدهن. عند الزاوية كانت هناك فتاة حمراء الوجه تجلس على مندر، تحوك ليفة من نسيج خشن ذهبي امامها، وفتاة ثانية تشبه الأولى تقلي السمكات الثلاث في مقلاة مسودة القاع، تتهدل فوق جبهتها خصلة شقراء. قالت الفتاة الحمراء المنمشة التي تقلي السمكات: امّنا خرجت في طلب ملح من الجيران.. تعال هنا اجلس قربي وارني ما معك.
رفع الصبي الزورية عاليا ليقربها من عيني الفتاة المشغولة بالقلي. ضحكت الفتاة التي تحوك الليفة في الزاوية وانتبه الطفل الى ربلتي قدميها البيضاوين وساقيها المكشوفتين حتى الركبة:
ـ إنها صغيرة جدا ولا تصلح لشيء. هل صدتها بنفسك؟
حرك الصغير رأسه علامة النفي ثم جلس على المندر قرب صينية فيها خبز ساخن وبصل أحمر مقشر وملح ناعم، فاحس بحرارة النار الحمراء اللاهبة تحت المقلاة كما احس برطوبة طابوق الحوش الذي كان قد غسل أو رش ومازال رطباً وبارداً.. نزلت الفتاة الثالثة وكانت أصغرهن وأجملهن من مسوّر شناشيل الطابق العلوي وأخذت تضحك بدورها على صغر حجم السمكة .. أذهل جمال الفتاة الصغيرة الصبي. قال: سمعت السمكة تبكي وتقول: أحبك.. أحبك.
ضحكت الفتيات الثلاث دفعة واحدة.
قالت الفتاة التي تحوك الليفة: - لابد انها سمكة مسحورة. والفتاة التي تقلي السمك:- أو انها جنيّة، وأصغر الفتيات: بل انها عاشقة أو أكلت قلب عاشقة. لماذا لا تتركها لي وسأعطيك سمكتي بدلها؟
وافق الصبي على المقايضة. وضعت له الفتاة الصغيرة سمكتها وسط رغيف الخبز ثم قالت:
ـ أنت لا زلت صغيراً على الحب.
ضحكت الفتيات الثلاث مرة ثانية,، وكانت رائحة شياط السمك تعبق قوية في الهواء.
***
من رأى الفتاة الصغيرة تلقي بنفسها من شرفة الشناشيل، شبهها بطائر السنونو المهاجر. فردت عباءتها السوداء وطارت فوق البيوت دائرة عدة دورات قبل أن تسقط أمامه وتتحطم كقطعة من الخزف.. أنحنى فوقها وأخذ يتأمل وجهها الجميل الفتي بينما كانت أصابعها تلامس كفه: قلت لصديقاتي لو أعرف بأني سأسقط بين ذراعيه لألقيت بنفسي من النافذة. سخرن مني. ولكني كنت جادة. اليوم تحققت أمنيتي. ضمني الى صدرك.
ضمها الى صدره وسمعها تلفظ انفاسها الساخنة قرب أذنه: آه من حبك..آه من حبك.
1974
—————————————————————————-
* زورية جمعها زوري: كلمة عامية عراقية تطلق على صنف من السمك صغير الحجم يكثر في مياه الرافدين.
* شبوط: نوع من السمك العراقي
* مندر: وسادة مربعة مسطحة تستخدم للجلوس بدل الاتكاء.
الفيلية: أحد أقدم مكونات الأمة الكردية، ولهجتهم الحاوية للمفردات السومرية هي الأقرب إلى اللغة البهلوية ولغة آفيستا زردشت. وقد أسسوا دولاً ودويلات وإمارات عديدة منذ غابر الأزمنة حتى الربع الأول من القرن العشرين، من أقدمها كاردونياش التي حكمت مملكة بابل أكثر من ستة قرون.
المراهقة والساحر
أخذتها أختها الكبيرة الى مدينة الألعاب بعد أن بدت متوعكة و متألمة على غير عادتها مما أقلق أمها وأختها عليها كثيراً. مضت ساعتان دون أن تثير فيها العروض و الألعاب وبهجة الناس أي حماسة. وأخيراً تعبتا وجلستا أمام عرض سحري لممثل شاب نحيف القامة له خصر كخصر الدبور. و كان يحرك عصاه السحرية وأصابعه الطويلة بحركات رشيقة جداً و يرمي بعباءته المفضضة خلف ظهره و يخرج من قبعته حمام ومناديل ملونة وأرانب.
بدل متابعة العرض شغلت الفتاة الصغيرة نفسها بتأمل لوحات الإعلانات الكبيرة على الأسيجة الجانبية: ( تحفزت الرؤوس العديدة حول حلقة السيرك وكأنها على وشك الافلات من أماكنها والطيران مع حبال الأرجوحة المتدلية من سقف الخيمة. وكانت الفتاة في الصورة قد ألقت بجسمها خارج الارجوحة بحركة رشيقة طائرة في الفضاء، وقد وقف رجل نافر العضلات في الأرجوحة المقابلة متأهباً لتلقف الفتاة) نظرت الفتاة الى صورة أخرى: ( سقطت امرأة بيضاء شبه عارية من مكان عال، وكانت بسقوطها الشديد البطيء وسكونها المستسلم في عتمة الفراغ، تبدو وكأنها تحلم بأكف قوية غزيرة الشعر ستمتد وتنتشلها من أسفل).هتف الساحر بصوت شبه ممغنط وهو يهبط من خشبة المسرح ويسير بين المتفرجين مقلداً حركات نمر متأهب للقفز على فريسة ( أقرأ الأفكار.. وأعرف الأسرار) رددها عدة مرات ثم أشار بعصاه الى رجل أصلع قاتم السمرة يجلس بين طفلين ( جاسم.. في جيبك عشرة دنانير وعشرون فلساً, ورسالة مطوية من صديق اسمه عماد, وتفكر برحلة صباح الغد الى البصرة). تلعثم الرجل بذهول (صحيح..صحيح كيف عرفت ذلك) تعالى التصفيق وهتاف الجميع محيين الساحر. خطا الساحر خطوتين متربصتين بنفس الطريقة النمرية وقبل أن يختار هو نفسه تبرعت امرأة عجوز موشومة الوجه فمها خال من الأسنان تقريبا رافعة اصبعها. فالتف الساحر بعباءته بحركة سريعة ووجه عصاه ناحيتها ( غزالة أم سعدون.. أنت تفكرين بابنك الجندي سعدون. في جيبك خمسة وعشرون فلساً ثمن بطاقة العودة بالباص وخزامة ذهبية مكسورة في ورقة مطوية) ابتسمت المرأة و أغلقت عينيها الصغيرتين هازة رأسها بالإيجاب فقهقه الناس واختلطت كلمات استحسانهم بالتصفيق والصياح.
الآن..أحست الفتاة الصغيرة انها أمست في منطقة الخطر؛ فلقد اقترب الساحر كثيراً وأصبح على مبعدة خطوتين من مقعدها فضغطت على ذراع أختها طالبة منها مغادرة المكان على عجل. طاوعتها أختها الكبيرة وسارتا صامتتين مخلفتين الساحر والضوضاء وراءهما متجهتين نحو البوابة الخارجية.
دار قطار صغير حول الزاوية و فاجأهما بصيحة قصيرة عالية اختلطت بصرخات الصغار الذين أخرجوا رؤوسهم من النوافذ. كان القطار يشبه أحد الزواحف الطويلة ومن وجهه أطلت ابتسامة بهيجة وراحت كرات بطنه المكشوفة ترتفع وتنخفض بحركة متموجة.. في البدء لم تكن الفتاة الصغيرة قد تنبهت لوجود سكة القطار حول الحديقة، فأخذت ترقب عجلاته التي تظهر بين فترة أخرى بين الحاجزين المقابلين لها. إلتوت مؤخرة الحيوان نصف التواءة.. رفعت الفتاة رأسها لتودعه، فلمحت أحد الأطفال في العربة الأخيرة لوى عنقه الى الوراء في محاولة لتثبيت بصره عليها وقبل أن تختفي مؤخرة القطار وهو ينحرف الى جهة محجوبة، كان الصغير قد قذف لها بقبلة في الهواء ولم يسعها الا أن تبتسم له .. لكنها أحست فجأة بالدم يصعد الى رأسها من الخجل فتمتمت بصوت خافت دون أن تسمعها أختها: ( للساحر بالتأكيد.. أقصد ذلك الشاب..وسامة شيطانية).
***
صعدت الفتاة الصغيرة درجات السلم حتى توسطت عتمته، اتكأت بكتفيها على الجدار. فكرت بكذبتها تلك:(اني متعبة.. أشعر بحاجة للنوم) إن هذه الساعات التي ستقضيها في غرفتها دون أن تنام, جعلتها تحس بماء بارد يتجمع في مفاصل قدميها و كتفيها وفقرات ظهرها. فتحت باب غرفتها وامتدت يدها ببطء الى مفتاح الضوء، بينما راحت عيناها الخائفتان تتسللان داخل أحشاء الظلام وكأنها ستفاجأ بمسخ بشع يقفز عليها لحظة إنارتها الغرفة. اندفع الضوء من المصباح بسرعة هائلة لينسكب فوق أثاث الغرفة وحاجياتها وتساءلت بخوف، إنْ كانت هذه الغرفة هي غرفتها حقاً: هذه الألوان السحرية المتوثبة والتي تشبه ألوان الجلود البشرية. إن غرفتها مملوءة بمئات الناس يختبئون تحت السرير وخلف الدولاب والستائر وداخل الجدران، يتحدثون ويضحكون بأصوات خافتة، وان أثاث الغرفة قد صنع من لحوم أكفهم الحساسة المتهيجة. ستلامسها لمسات شبقة وهي تمر، أو تستلقي فوق السرير وستمسح لها جسدها البارد..
تقدمت نحو الدولاب، فالتهبت صورتها في المرآة. خلعت ثيابها. كانت نظراتها تتسلل الى تفاحتيها المثمرتين بزهرتي (الجهنمي). خاضت في دقائق ضوء الغرفة التي تطايرت من مكان تحرك قدميها على شكل فقاعات ونجوم ماسية كثيرة.. استلقت فوق فراشها، سحبت الشرشف على جسدها, وواجهت الحائط. .كانت بين الحلم واليقظة وهؤلاء الناس الذين يتحدثون في غرفتها يمدون أيديهم بشوق ويغرزون في جسدها من خلف الغطاء آلاف الإبر الدقيقة الباردة ( نساء عاريات يشبهن نساء لوحات الإعلانات في مدينة الألعاب يسقطن على الأرض الخالية من الأرض المنقذة.. يسقطن على الأرض ويمتن.. رجال بأذرع قوية مفتولة العضلات، كثيفو الشعر تجمعوا داخل حلقة السيرك دون حراك. . حبال.. شبكات قفز.. كرات.. خيول.. فيلة.. أكشاك مرطبات.. مهرجون..حركات..مئات الحركات السخيفة المنفرة. هتفت: - (لا.. لا أريد الذهاب الى الساحـ..). عبر ثقوب الحائط الصغيرة وفتحاته الخفية، كان ساحر السيرك يتسرب كالدخان، ينتصب واقفاً وسط غرفتها المغلقة.. شاب رشيق تقدم منها وبصوت شيق معبّر خيل إليها أنها تعرفه، ناداها:(سميرة.. سأقرأ أفكارك، لكنني لن أفشي سرك أبدا) لم تعد تحس بجسدها, هبت نسمة باردة من النافذة؛ فطارت الستائر الحمراء في أرجاء الغرفة.. كان أهلها جميعا يقفون خلف النوافذ و يحدجونها بعيون جاحظة. تقدم منها الساحر وجلس قربها على السرير.. اقتربت منه, مسّت أصابعه جسدها. رددت:( لا.. أرجوك لا تفعل ذلك). سقط رأسها إلى الخلف وامتلأت عيناها بالدموع.
بغداد 1975.
الخزامة: حلية للأنف.
الجهنمي: أزهار حمراء
أهل الكهف
الخيمة في مصباح والمصباح في زجاجة والزجاجة هي رأسي. هكذا يبتدئ الحلم. هكذا أراهم الآن كما أراهم حينما أنام. بدو يثرثرون في رأسي. ثلاثة بدو حول نار. وهم يتكلمون أو يناقشون أمراً ما. والأمر الذي يشغل رؤوسهم خطير, لكني لا أعرف عنه شيئآ. وهم يتكلمون بأصوات خفيضة تشبه الوشوشة. وأنوفهم حمراء ضخمة. وهي تتقارب حينما يتكلمون. يمدون أيديهم حول(منقلة) متأججة الجمرات. وهم بدو.. ثلاثة من البدو في خيمة مضاءة بفانوس وهم في زجاجة والزجاجة هي رأسي.
أنا أراهم الآن في رأسي وأمام عينيّ في آن واحد. وأنا أسمعهم, لكني لاأفهم من كلامهم شيئاً. وهم يتحدثون في أمر ما. وها إني أراهم يشربون قهوة بفناجين. يهزونها أمام وجوههم ويتطلعون في عيون بعضهم البعض. لهم عيون سوداء غائرة متلألئة، مشحونة بالانتباه والتوجس. وكانوا يتحدثون في أمر ما.ثم أنهوا حديثهم وانسحب اثنان منهم ليناما تحت أغطية قريبة منهما وبدءآ بالشخير. أما الثالث فلقد خرج للتغوط خارج الخيمة.
أود أن أمسكهم بأصابعي وأسحقهم مثل حشرات وأطردهم من رأسي. لكن رأسي زجاجة مفرغة وهم هناك ينامون بأمان.
يعود البدوي الثالث من تغوطه خارج الخيمة، وينفض ماءً فوق( المنقلة) فيطفئ جمراتها، ويتساقط الرماد فوق الأغطية، ثم يدخل فراشه أيضاً لينام. أنا أرى رؤوسهم المكشوفة الآن.. أثر لصلع خفيف وشعر أشيب. كان الثلاثة في عمر واحد، يتشابهون تماماً، لكنهم لم يكونوا إخوة.
حينما أنام من جديد سيعودون للاستيقاظ. يجلسون جلستهم نفسها ويتحدثون في موضوعهم الخطير نفسه. يبدو أنهم قد ألفوا هذا الأمر وكرروه آلاف المرات..موضوعهم، حركاتهم الحذرة، وبردهم الذي لا يحد.
يبدو أنهم لا ينوون مغادرة الخيمة، وإنهم لم يسأموا من وجودهم هناك. يبدو أنهم لم ولن يحتجوا أو أن في نيتهم تغيير موضوع حديثهم.. لكنهم كانوا هناك في انتظار وترقب. إنهم في ترقب للإشارة التي ينتظرون. أرى الآن بنادقهم المعلقة على أعمدة الخيمة. إنهم سيخرجون يوماً ما.. لكنهم الآن سيبقون وينتظرون الإشارة. سيعلقون بنادقهم إلى أكتافهم ويغادرون. أنا أرى في وجوههم الحزم وخطورة الأمر الذي هم عازمون عليه، لكني لا أعرف عن أمرهم الخطير هذا شيئاً. الإشارة لم تعلن واللحظة لم تحن بعد, لذا فإنهم باقون هناك متمهلين, ينامون ويصحون، يجلسون حول النار ويتشاورون بأسنان صفراء. يشربون القهوة ويهزون فناجينهم في وجوه بعضهم البعض. اللحظة لم تحن؛ لذا فإنهم سيتمهلون. سينامون ويصحون ويهزون فناجينهم في وجوه بعضهم البعض.
إنهم هناك في خيمة والخيمة في زجاجة والزجاجة هي رأسي.
1 وداع
ليلى.. هتف باسمها ثم طبع على شامة شفتها العليا قبلة حيية.
اعترفت لها أمها على فراش الموت بأن الإسم (ليلى) ليس اسمها الحقيقي، بل اسم أختها التي تشبهها تماما والتي ولدت مشوهة بعاهة في شفتها العليا مكان شامتها هذه. كانت مخرومة وفمها ينزف من شق في لثتها. القابلة المأذونة إقترحت قتل الوليدة لأنها كما قالت: لو خلقت ذكراً لاختلف الأمر ولكنها انثى وبسبب العاهة ستعيش حياة مليئة بالآلام والقهر، ولن يتزوجها أحد. وهكذا تم التخلص من الرضيعة بسقيها الزرنيخ قبل حليب الرضاعة. وفي العام الذي أعقب موت أختها الرضيعة ولدت هي و حصلت على شهادة ميلادها و اسمها. أما أمها فالموت الذي تمنته طويلاً جاء تأخراً ليرحمها من جحيم تأنيب الضمير .
قبلها من شامة شفتها االعليا بجرأة هذه المرة.. هبت نسمة باردة و امتزجت رائحة الأشجار برائحة عفونة كرائحة القبور فهتفت له: هنالك شيء أكثر أهمية من المباهج . ثم ودعته.
بغداد 1975
2 وداع
داعبت الفتاة قطة فاحمة الفرو.
على نحو ما بدا لها ذلك حلماً غريباً، وانها تحولت الى قطة فاحمة الفرو مطمئنة الى دفء حجر فتاة، والأنامل التي تلامس فروتها برقة تعود لشخص آخر لا تعرفه.
ناولها الشاب الذي وقف قربها واضعا قدمه اليسرى على المصطبة الخشبية حيث تجلس، سيجارة، راسماً فوق محياه إبتسامة معلقاً على الطقس وعلى جمال وجهها ونظارتها. أخذت منه السيجارة بأصابع مترددة محاولة بجهد منع إفشاء عواطفها المضطرمة نحوه. وحينما ملأت صدرها بالدخان، زادها إحساسها بالرغبة بحضور جسدها، فأحست بألم حاد بسبب الحزام الذي ضاق على بطنها. كانت بطنها قد انتفخت بسرعة. ويا للغرابة، ساور القطة التي كانت في حجرها نفس شعور الفتاة وامتلأ وجودها بنشوة قديمة متوهجة ودافئة. قفزت القطة من حجر الفتاة واستقامت على شكل ظل قاتم ارتسم على الجدار القريب. إتحد الظل بقامة الفتاة التي وقفت بدورها وغادرت المكان مودعة الشاب، من دون أن تلتفت خلفها أو تنبس بكلمة أخرى.
بغداد 1975
الطلسم
على بوابة الخان: مسامير ثقيلة صدئة تكّون فيما بينها حلقات ومثلثات تحتل القسم الوسطي والسفلي من البوابة. والمطرقة الحديدية ( رأس الأسد المتوثب) كانت معطلة عن العمل. ثمة جملة بسيطة كانت قد خطت بيد واهنة وبالدهان الأخضر، الذي تآكل بفعل الشمس. كان الخبير الأجنبي والمختص بالانتيكات الشرقية قد أبدى إعجابه، وكانت عيناه وهما تتفحصان البوابة، تمّران بالجملة المكتوبة في الأعلى وتتخطيانها؛ فأن مايهمه هو عمر هذا الخشب وهذه الصناعة، وكل تلك الشقوق التي يموت فيها ظلام بغدادي قديم.
داخل الخان ثمة بضائع من كل صنف: أطوال أقمشة، براميل فيها مواد كيمياوية، عطور، أقداح وأوانٍ خزفية, لعب أطفال..الخ. كانت محفوظة في صناديق مكدسة على الأرض ومهملة؛ لأن العمل قد توقف, والرجل الذي نقل كل هذه الأشياء موجود في إحدى غرف الخان لا يقوى على الحركة. خمسون عاماً والرجل هنا. جاء منذ كان صبياً مع عائلته الفارسية إلى الكاظمية من أجل ( الزيارة) .
وفي زحام ( الزيارة) آلآف الرؤوس، آلاف البشر المحتشدين يتدافعون, يشدونه ويجرفونه بينهم ويملأون رأسه بكلام وصياح مدوخ. لقد فقد عائلته، غير أنه لم يذرف دمعة واحدة من أجل ذلك. جاء بالضبط في الوقت الذي جاءت فيه البوابة. كان قد عمل سقّاء للماء في الكاظمية، غير أنه قرر في النهاية أن ينتقل إلى( الشورجة) حيث أمضى حياته هنا في زقاق الخانات بهدوء.
في أوقات الظهيرة كان هذا الرجل الذي تغطي وجهه لحية كثة عريضة يجلس بجثته الضخمة قريباً من بوابة الخان، يلامس أكتاف الأطفال ورؤوسهم، يدفع بحبات الهيل إلى جيوبهم، ويرسلهم حاثا إياهم على أن يدخلوا البيوت خوفاً عليهم حتى من أشعة الشمس! وفي المساء يطوف في الزقاق، يسأل الناس إذا كانوا في حاجة لخدمة يقضيها لهم.
هذا الحمّال الذي لم يكن له أحد ويربح أرباحاً جيدة, كان يفرق نقوده بين الأطفال، كما كان يفرق أكياس الهيل على عوائل الزقاق جميعاً؛ مما كان يكفيهم من هذه المادة الكمالية تماماً. لا أحد يعرف سر ولعه بالهيل على الرغم من أن أحداً لم يشاهده يلوك واحدة منها. إئتمنه الجميع, وزاره أولاد الحي في غرفته المنعزلة في الخان , ولقد أطلقوا عليه لقب الأصفهاني.
في حيّ من أحياء لندن الآن متحف مغمور للأنتيكات الشرقية، فيه بوابة ضخمة, كتب عليها طلسم غامض كان قد خطّ بيد واهنة وبدهان أخضر تآكل بفعل الشمس(مات الأصفهاني يرجى عدم المراجعة بشأنه).
القسم الثاني
النبوءة
نجوم الصباح الذاوية تنطفئ واحدة اثر أخرى وينكشف بالضوء المحمر شاطئ الطين وبيوت الشناشيل المنكفئة الى الضفة وابعد قليل . . الأزقة المتشعبة،الحواجز والسطوح التي التمعت فيها اسلاك الغسيل واندلعت من بعضها السنة اللهيب.
كان الجريح الملقى الى الضفة في غيبوبة وقد انغرس رأسه وذراعاه في الطين، أما جذعه السفلي فقد غمرته المياه ، وأخذ الدم ينزف من جروحه العميقة من ذراعيه وعنقه وظهره بشدة. وكان يهتز ويكاد ينفلت من مكانه، يطوف وينسحب الى النهر الذي بدا طينيا تلك اللحظة. واخذت الأمواج التي تضرب الجرف تلقي باحشائها الطافية.. مئات من الأشياء المحمولة الخفيفة تصطدم بجسمه، وتبتعد مكونة نصف حلقة من حوله باتساع ذراعيه.
كانت حشوة النهر ذات اشكال داكنة وبراقة. اعشاب وقطع اخشاب سمراء. حجارة واصداف وحصى. مخلفات معدنية وحيوانية وكسار صخور وخرق وحطام جذور. بذور او رموز انبعث فيها النبض الحيّ وهي تنساب من طرف الموجة التي ابتعدت مبتلعة معها طبقة جديدة من الرمال.
يفلت الرأس من الطين، ويختلج الجسد اختلاجات سريعة، ثم يفتح الجريح عينيه، وبوهن، بوهن شديد، يتعرف على موضعه، وينصت لأقدام المطاردين المتنقلين في الأزقة القريبة.
كانت المدينة سوداء قاتمة تنيرها ألسنة النيران ويتوجها عش كبير من الدخان .
لم يكن قادرا على مواصلة الهرب ورغبة عظيمة للاستسلام او النوم كانت تملأ جسده بخدر مضن وعينيه بدموع ليس فيهما ايما شفقة على النفس. وتتعثر انظاره الهائمة بحدود المياه، الظلمة، واجهات بيوت الشناشيل،القباب، ثم الجرف.. هذا المكان الأليف، ويلتقي بمقذوفات النهر المحيرة امامه .. ذلك القوس العجيب من الأشياء، كما لو نشرتها كف عراف للتو.. حاضرة، ثقيلة، مقلقة، تمتلئ بالايماء: علامات وطلاسم وانعكاسات.. وجوه بغدادية قديمة وجديدة .. وجوه لسلاطين ولصوص وصور لحرائق ونكسات وفيضانات وكوارث واوبئة، مخطوطة اشكالها وتواريخها على الحصى وظهور وبشرة الأصداف والجذوروالحجارة .. ارواح هلامية، واسرار واحلام ودموع.. كسار سيوف ونتف كتب وفُتات عظام. التاريخ المأساوي للمدينة، ماضيها المروع، احتفظ النهر بها حتى الآن.
( القى المدافعون عن المدينة بدروعهم وخوذهم ورماحهم وسيوفهم والتجأوا الى الظلال والجدران، بعد ان استبد بهم العطش واحرقت شمس تموز اجسامهم تحت معدات الحديد. اما تيمورلنك المتوجه نحو المدينة فقد امر جيشه المؤلف من عشرة الاف مقاتل ان يرفع امامه رأسا مقطوعة من رؤوس البغدادين كي ينجوا بجلده. ولقد بنيت من تلك الروؤس ثلاث ابراج عالية آمام مداخل المدينة علامة للنصر والظفر)*
حوّل الجريح عينيه النصف مغمضتين النصف ميتتين باعياء شديد الى مجموعة اخرى من الأصداف والحجرات في محاولة للتخلص من طوفان المشاهد التي كانت ترهقه بشدة.
( اسقط الطاعون في يوم واحد سبعة آلاف، واخذت الوفيات تزداد حتى تقلص عدد سكان المدينة الى النصف، وطاف الأحياء والأموات حينما فاض النهر. اختلطت الحيوانات والأثاث بالمطعونين والأصحاء. مات الدفانون والحرس والمؤذنون والحطابون والباعة والبلامون ومات الرضيع جوعا بعد ان قضى الوباء على الأمهات والأباء. وخلت الطرقات من المارة، وانقطع الناس عن زيارة اهاليهم واقاربهم. غير ان الجرذان, كانت تقفز من سطح الى سطح ومن دار الى دار, ناقلة الوباء الى الجميع)
كانت ألسنة اللهيب في المدينة تتصاعد..تسمع اصوات انفجارات هائلة ورشقات رصاص. صافرات حرس ليلي، تجمعات جنود وقطعات عسكرية كلها كانت تقترب من الجرف .
موجة اثر موجة
موجة اثر موجة
( جثث القتلى والجرحى تسري منتفخة فوق المياه..اجزاء بشرية مقطعة أو مبتورة أو متعفنة. بقايا اثاث مجروقة ورماد ملابس وافرشة اشتعلت فيها النيران)
جابت الشاطئ مجاميع كبيرة من الجنود والحرس وفتشوا المكان بعيونهم وفوهات بنادقهم لكنهم لم يعثروا على شئ.
كان الجريح البغدادي قد نزف كل دمه وفقد الأمل. تأمل المجموعة السحرية التى امامه، أغمض عينيه وبكل ما تبقى فيه من قوة، رفع يده وكأنما بحركة تحدّ أراد بها أن يغير كل شئ، عبث برموز وطلاسم النبؤة النهرية، ثم سكن وقد تخلص من الألم.
انزلقت الجثة بكاملها الى المياه. وهبطت الموجة الأخيرة لتغسل عن الشاطئ. تلك التجربة القصيرة المثيرة وتغطيها بالزبد. انسحبت الجثة مع المياه، ثم هبطت ببطء، ببطء شديد مع أحشاء النهر، الأصداف والأحجار واستقرت في أعماق النهر الذي سرعان ما أشرقت فوقه شمس كبيرة من مكان ما.
روما 1980
* بعض الصور و العبارات مأخوذة من كتب تأريخ مدينة بغداد.
مهاجر
كان ينقل حقائبه الأربع بصعوبة. سينتهي عاجلاً بالموظف الذي سيؤشر له تذكرة السفر. كان ينقل حقيبتين خطوة إلى الأمام، ويدفع الأخريين بقدميه، حيث كانتا ثقيلتين وكأنهما حشيتا ( بالصخر). وكان يضطر بعض الأحيان إلى رفعهما عن الأرض. فيتفصد العرق من جبينه.. لقد حذره أصدقاؤه من البرد والجليد وزودوه بمعاطف وبطاطين إضافية. أما الحقيبتان الثقيلتان فقد حشاهما بالكتب.. مكتبته الصغيرة التي جمعها بصعوبة واستودعها غرفة أحد الأصدقاء.. مختارات شعر وروايات عالمية وأوراقه الكثيرة ورسائله الخاصة.
بعد خمس دقائق سيتخلص من كل شيء، سيدفع بالحقائب للموظف كي تنقل إلى الطائرة ويرتاح لأكثر من عشر ساعات.. مكان دافئ, طعام, مضيفة جميلة.. عشر ساعات من الحياة الحقيقية. لقد خبر تجربة السفر أيام شبابه الأول، حينما كان يتغرب نزقاً وترفاً. غير أن هذه المرة كانت تختلف. لم يودعه أحد. من اسطنبول إلى أثينا، ثم البندقية. فرنسا، روما، باليرمو، نابولي، روما، تريست، جنيف وهاهو مهاجر إلى أمريكا.
ـ مهاجر؟ كشر الموظف الإيطالي.
ـ نعم.
لم يكن معه جواز سفر، بل أوراق زودته بها الشرطة، حينما وجدته نائماً في إحدى حدائق روما العامة يرتعش من البرد. وضع الموظف ختمه على الأوراق، ثم أشار إليه أن ينقل الحقائب إلى الميزان.
ـ أكل هذه الحقائب لك؟
ـ نعم.
ـ هل ستدفع إجرة الوزن الإضافي؟
ـ بلع ريقه ( أيّ وزن إضافي ! ) لم يخبره أحد. لماذا لم يفكر بذلك؟!
ـ مسموح لك أن تصطحب حقيبتين.. وسأتغاضى عن وزنهما الإضافي
ـ لا أستطيع التخلي عن هذه الحقائب.. إنها كل أمتعتي.
صمت الموظف الإيطالي ناظراً في عينيه وكأنه لم يفهم تمتمته الركيكة. كان هو يفكر محموماً.
مرت لحظات طوال.
المسافرون ينظرون إليه.
يحمر وجهه!
ثم هتف:
ـ حقيبتان فقط ولا يهم الوزن.
ـ حقيبتان فقط ولا يهم الوزن. أجاب الموظف الإيطالي.
ارتعشت يداه. كان عليه أن يختار. فكر بالبرد. شعر بالصقيع يلامس عظامه، أسنانه تصطك.. نعم. عليه أن يختار حقيبتي الثياب والبطاطين، سحقاً للكتب.. الكتب لا ترد عنه الصقيع والتجمد!! في بلد غريب ومدينة قاسية كنيويورك، ثم بإمكانه لو حالفه الحظ.. أن يجد كتباً هناك!! كان عليه أن يتخذ قراراً حاسماً.. لحظة واحدة.. الطابور ينتظر خلفه.. وجه الموظف يجلده.. تقدم خطوة، رفع حقيبتين ووضعهما في الميزان. إنتفض مؤشر الميزان بعنف.. كانت الحقيبتان ثقيلتين وكأنهما حشيتا ( بالصخر)!!
روما 1988

























ة من خلال الكثير من الممارسات التي تعكس تماما أخلاق البعثيين قبل وما بعد سقوط ( هبل البعث ) في العراق في التاسع من نيسان 2003 .
عد ، أم أن ذلك يشكل نهاية مرحلة وبداية أخرى من مراحل العمل السري والعلني الذي درجت عليه بعض الأحزاب العلمانية والليبرالية وخاصة إذا ما أدركنا أن غالبية هذا ( القطيع ) هو ممن ينتمي الى أحزاب قومية وليبرالية سبق وأن اعتادت على ثقافة السر والعلن في نشاطها السياسي بل أن غالبية هؤلاء قد تنقلوا طيلة حياتهم بين تيارات عديدة غالبا ما كانت هذه التيارات تتناقض في أهدافها وشعاراتها وحتى في آدائها السياسي والإجتماعي ، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن صباح الشاهر كان ماركسيا ثم أصبح بعثيا بعد أن تكرمت عليه الحكومة الصدامية بمنحة دراسية الى يوغسلافية لإكمال دراسة الماجستير ، لكنه فشل في الحصول على قبول في الجامعات فلجأ الى بريطانيا ، والطامة الكبرى أنه منح نفسه لقب الدكتوراه ، فاضطر بعد ذلك أن يركب قطار القومية حيث وفر له فرصة إشباع غريزته في حضور مؤتمراتهم الجوفاء التي تعقد بين حين وآخر للتمجيد بالمقاومة الشريفة في العراق وسب أبناء الشعب العراقي في بياناتهم وتصريحاتهم لوسائل الإعلام السلفية المعادية. أما موسى الحسيني قد بدأ حياته بعثيا وكان ضابطا مجنداً، لكن البعثيون لتفاهته عمدوا الى فصله من الجيش وتم تعينه قاطع تذاكر في شركة السكك الحديدية ببغداد ، ثم هرب الى سوريا ولبنان وعمل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، الى أن اعتقلته المخابرات السورية في زمن حافظ الأسد بعد أن ثبت لديها علاقته مع المخابرات العراقية ثم أبعدته قبل أن يهرب الى بريطانيا ويبدوا أن عقده المُبرَم مع المخابرات الصدامية لم ينتهي بعد ..